#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
✍الــحــ1ــلـقـة
💫خلافة أبي بكر الصديق:

💫وفاة الرسول:
تبدأ قصتنا بخبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذي أحدث ضَجَّة كبيرة, وصدمة عظيمة لكثير من المسلمين، خاصَّة عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قام وقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد تُوُفِّيَ، وإن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربِّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات. والله ليرجعَنَّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله قد مات.
بينما أقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد -حين بلغه الخبر- وعمر يُكَلِّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله في بيت عائشة رضي الله عنها, ورسول الله مسجًّى في ناحية البيت، عليه بردة حَبِرَة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله ثم أقبل عليه فقبَّله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدًا.
ثم ردَّ البردة على وجه رسول الله ، وخرج وعمر يُكَلِّم الناس، فقال: على رسْلك يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلَّم، فلما رآه أبو بكر لا يُنصت، أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]. فقال أبو هريرة: فوالله لكأنَّ الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت، حتى تلاها.
وعقب وفاة النبي اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرَّاح, فذهب عمر يتكلَّم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيَّأت كلامًا قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلَّم أبو بكر، فتكلَّم أبلغَ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنَّا الأمراء، وأنتم الوزراء، وهم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك أنت، وأنت سيِّدنا وخيرنا، وأحبُّنا إلى رسول الله. ثم قال للأنصار: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس، فأيُّكم تطيب نفسه أن يتقدَّم أبا بكر؟!! فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر! ثم بادر عمر وقال لأبي بكر: ابسط يدك. فبسط يده فبايعه، وبايعه المهاجرون، ثم الأنصار.

💫مبايعة أبي بكر للخلافة:

بايع الناس أبا بكر في المسجد -بعد بيعة قادة المهاجرين والأنصار له في سقيفة بني ساعدة- فقام أبو بكر خطيبًا في الناس ليُعْلِن عن منهجه، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه، قال: أما بعد، أيها الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقَّه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
ونجح المسلمون -الأنصار والمهاجرون- في أوَّل امتحان لهم بعد وفاة الرسول، فقد احترموا مبدأ الشورى، وتمسَّكوا بالمبادئ الإسلاميَّة، فقادوا سفينتهم إلى شاطئ الأمان.
وكان الإسلام في عهد النبي قد بدأ ينتشر بعد السنة السادسة للهجرة، وبعد هزيمة هوازن وثقيف بدأت الوفود تَرِد إلى الرسول معلنة إسلامها، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وقلَّ عدد المشركين الذين يعبدون الأصنام، لكنَّ بعض الذين دخلوا في الإسلام كان منهم ضعاف الإيمان، ولم يكن الإيمان قد استقرَّ في قلوبهم، فلم يدخلوا في الإسلام إلا انبهارًا بسيطرة المسلمين على الجزيرة العربيَّة، ومنهم مَن جاء رغبة في المال والغنائم، والارتباط بالقوَّة الأُولَى الجديدة في الجزيرة، ومنهم مَن جاء خوفًا من قوَّة المسلمين، ومنهم مَن جاء لا رغبة ولا خوفًا، ولكن اتِّباعًا لزعمائهم وقادتهم، فَسَاقهم زعماؤهم كالقطيع، فدخلوا في دين لا يعرفون حدوده، ولا فروضه، ولا تكاليفه، ولم يفقهوا حقيقة الرسول وحقيقة الرسالة، ولم يعيشوا مع القرآن ولا مع السُّنَّة.
يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
اضغط الرابط واشترك بالقناة👇
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين الــحــ2ــلـقـة 💫إنفاذ
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
الـحــ3ــلـقـة
💫حروب الردة:
بدأ الصِّدِّيق في تجهيز مجموعة من الجيوش الإسلاميَّة التي ستخرج لحرب المرتدِّين في وقت متزامن، فجهز أحدَ عشرَ جيشًا كاملاً، لا يتعدَّى قِوَامها ألفين أو ثلاثة أو على الأكثر خمسة آلاف، ولكنها كانت جيوشًا مُنَظَّمة، راغبةً في الجهاد في سبيل الله، فاهمةً لقضيَّتها، معتمدة على ربِّها، وحدَّد الصِّدِّيق اتِّجاه كلِّ جيش من هذه الجيوش الأحد عشر، فوُزِّعت هذه الجيوش على الجزيرة توزيعًا دقيقًا، بحيث لا تبقى قبيلة أو منطقة إلا ويمرُّ بها جيش المسلمين.

واختار الصِّدِّيق أحدَ عشرَ قائدًا فذًّا من قوَّاد الإسلام على رأس هذه الجيوش؛ فقاد خالد بن الوليد الجيش الأول المتَّجه إلى طيِّئ أوَّلاً، ثم بني أسد؛ تلك القبيلة الخطيرة التي يقودها طليحة بن خويلد الأسدي, ثم بني تميم، وفيهم مالك بن نُوَيْرَة، فإذا انتهى مِن كلِّ هذا بنجاح فإنَّ عليه أن يتوجَّه إلى بني حنيفة، لمقابلة أخطر جيوش المرتدِّين، وعلى رأسها مُسيلمة الكذَّاب؛ وذلك لمساعدة الجيشيْن الثاني والثالث.
💫وكان عكرمة بن أبي جهل على رأس الجيش الثاني، وشُرَحْبِيل بن حَسَنَة على رأس الثالث، وأَمَر الصِّدِّيقُ عكرمةَ ألا يُقاتل حتى يأتيه جيش شُرَحْبِيل، وكان جيشه حوالي ثلاثة آلاف، بينما يتعدَّى جيش مسيلمة مائة ألف رجل، فتعجَّل عكرمة بن أبي جهل في قتال مسيلمة قبل أن يأتيه شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، فاجتاح جيشُ مسيلمة جيشَ عكرمة بن أبي جهل، ففرَّ جيش عكرمة، وتفرَّقوا في المنطقة، ووصلت الأنباء إلى الصِّدِّيق بالمدينة، فحزن حزنًا شديدًا، وعلم أن الجيش الإسلامي في طريقه إلى المدينة، فأرسل رسالة إلى عكرمة بن أبي جهل عَنَّفه بشدَّة على تسرُّعه في محاربة مسيلمة الكذاب، وقال له: لا ترجع بجيشك إلى المدينة، واتَّجه بجيشك إلى حذيفة بن محصن، وعَرْفَجَةَ بن هَرْثَمَةَ في اليمن، فقاتِل معهما.
وعندما وصل جيش شُرَحْبِيل بن حَسَنَة قرب بني حنيفة عسكر منتظرًا مدد أبي بكر الصِّدِّيق ، ثم تعجَّل فهاجم بجيشه الصغير -ثلاثة آلاف مجاهد- جيش مسيلمة، فحَدَث مع جيشه نفس الذي حدث مع عكرمة بن أبي جهل، فحَزِنَ الصِّدِّيق حزنًا شديدًا، وأرسل له أنِ امْكُث في مكانك، ولا ترجع إلى المدينة.
ثم كلَّف الصِّدِّيق خالد بن الوليد بقتال بني حنيفة، فهزمهم في معركة اليمامة بعد قتال عنيف، ظهرت فيه بطولات المهاجرين والأنصار, وقُتِلَ مسيلمة الكذَّاب على يَدِ بطلين؛ هما وحشيّ بن حرب بحربته، وأبي دُجَانَةَ بسيفه, وبلغ عدد قتلى المرتدِّين في معركة اليمامة 21000 قتيل، واستُشْهِد من جيش المسلمين 1200 شهيد، منهم 500 من حفظة القرآن، ثم صالح خالد بني حنيفة؛ فعادوا للإسلام، وذهبوا إلى أبي بكر الصِّدِّيق، وبايعوه.
💫 كان الجيش الرابع متجها إلى بني بني سليم من هوازن ، وعلى رأسه طُريفة بن حاجر
💫كان الجيش الخامس مُتَّجهًا إلى الشمال وعلى رأسه خالد بن سعيد , وكان متَّجهًا لقبيلة قُضَاعَة. أما الجيش السادس فكان مُتَّجهًا إلى مشارف الشام، وعلى رأسه عمرو بن العاص ، ولم يُلاقِ هذان الجيشان قتالاً يُذكر، وما إن وَصَلا إلى الشام حتى فرَّت منهم القبائل، فعادوا إلى المدينة.

أما الجيش السابع فاتَّجه إلى قبائل عبد القيس الموجودة في البحرين، وكان على رأسه العلاء بن الحضرمي، وكانت كلُّ القبائل في تلك المناطق قد ارتدَّت عن الإسلام وعلى رأسها قبيلة عبد القيس، وما ثبت على الإسلام إلا قرية صغيرة تسمى جُوَاثَى التي حاصرها المرتدُّون، فأرسل رسائل إلى القبائل المرتدَّة لعلَّها تعود للإسلام، ولكنهم رفضوا, وأصرُّوا على موقفهم, فدارت المعارك بين الجيش المسلم والمرتدِّين استمرَّت شهرًا كاملاً، وفي ذات يومٍ سمع العلاء بن الحضرمي ضَجَّة في معسكر المرتدِّين، فعلم أنهم سُكارى، فجهَّز جيشه في الليل، وباغتهم فهزمهم هزيمة ساحقة، وفرَّ بعضهم إلى جزيرة دارين، ولم يكن مع العلاء بن الحضرمي في ذلك الوقت سفن، فرَكِب الجيش البحر، ووصلوا إلى دارين دون أن يفقد المسلمون مقاتلاً واحدًا، ورأى الفارُّون المرتدُّون جموعَ المسلمين تخرج من البحر، فسُقِطَ في أيديهم، وأَعْمَل المسلمون فيهم السيف، وقتلوا منهم أعدادًا كثيرة، ثم عاد المسلمون منتصرين في سفن المرتدِّين.

يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
📲للإشتراك تليجرام👇
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين ✍الــحــ1ــلـقـة 💫خلافة
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
الــحــ2ــلـقـة
💫إنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه:

كانت وفاة الرسول فرصة لهؤلاء لكي يُظْهِروا ما أخفَوْه خلال الفترة الماضيَّة، ولكي يُعْلِنوا ردَّتهم عن الدين الحنيف، وكان ارتداد الجزيرة العربيَّة على درجات؛ فمِن العرب مَن منع الزكاة، ومنهم مَن ترك الإسلام كلَّه وعاد إلى ما كان يعبد من أصنام، ومنهم مَن لم يَكْتَفِ بالردَّة، بل انقلبوا على المسلمين الذين لم يرتدُّوا، فقتلوهم، وذبحوهم، وفعلوا بهم أشنع المنكرات, فكان على أبي بكر رضي الله عنه أن يُواجه هؤلاء جميعًا، وليس هذا فقط بل كان عليه أن يُؤَمِّن حدود الدولة الإسلاميَّة ضدَّ الأعداء الخارجيين وفي مقدِّمتهم دولة الروم، وكان الرسول قد أعدَّ لذلك جيشًا بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنه؛ لإرساله إلى مشارف بلاد الشام؛ بهدف الثأر من الروم لقتلى معركة مؤتة، وتأديب الغساسنة, وأوصى بإنفاذه قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، ولكنه توفي قبل أن يَبْرَح الجيش المدينة، وظلَّ أسامة بجيشه على حدود المدينة ينتظر الأوامر.
وراح الجميع يُفَكِّرون في مواجهة أعداء الأمة الإسلاميَّة الوليدة, فرأى بعض المسلمين أن تُوَجَّه كلُّ الجهود إلى محاربة المرتدِّين، وأن يُؤجّل إنفاذ جيش أسامة لمحاربة الروم إلى ما بعد القضاء على المرتدِّين، وأن يتفرَّغ أبو بكر لذلك، ولكنَّ أبا بكر وقف شامخًا راسخًا، يُؤكِّد العزم على قتالهم جميعًا في كل الجبهات قائلاً: "والله لأقاتلَنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حقٌّ المال، واللهِ لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه".
ولقد أصرَّ أن يُتِمَّ بعث أسامة قائلاً: "والله لا أحُلُّ عقدةً عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تَخْطَفُنَا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جَرَت بأرجل أُمَّهات المؤمنين لأجهزنَّ جيش أسامة"رضي الله عنه.
فيعرض عليه بعض الصحابة تغيير أمير الجيش، فيأتي له عمر بن الخطاب، ويقول: "لو اتَّخذت أميرًا غير أسامة". وكان سِنُّهُ يومئذٍ 17 أو 18 عامًا، فالأمر صعب ويحتاج إلى الحكمة، فيُمسكه أبو بكر من لحيته، ويهُزُّه ويقول له: "ثكلتك أمُّك يابن الخطاب! أؤمِّر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!".
وكان لخروج الجيش إلى أطراف الشام فائدة كبيرة للمسلمين حيث فرَّت أمامه الجيوش الروميَّة في هذه المنطقة، فلم يَلْقَ قتالاً، فوجد بعض القبائل في هذه المنطقة ارتدَّتْ، فقاتلهم، وشتَّتَ شملهم، وهزمهم، وعاد بسرعة إلى أبي بكر الصِّدِّيق في المدينة، فأحدث بكل القبائل العربيَّة الموجودة في هذه المنطقة رهبة من المسلمين مما جعلهم يظنُّون أن للمسلمين قوَّة في المدينة، وأن هذا جزء صغير من الجيوش الموجودة فيها، فقرَّرَوا عدم الهجوم على المدينة وإيثار للسلامة، مع أنه لم يكن هناك جيش بالمدينة, فكان إنفاذه لجيش أسامة حكمة ألهمها الله لأبي بكر رضي الله عنه.
وبعدما علمت القبائل المرتدَّة بخروج جيش أسامة أرسلت عُيَيْنة بن حصن الفزاري، ومعه الأقرع بن حابس؛ ليُفاوضا المسلمين في المدينة في أن يَقْبَلَ أبو بكر منهم الصلاة، ويرفعَ عنهم الزكاة، في مقابل أن يرفع المرتدُّون أيديهم عن المدينة، فجاء الصحابة إلى أبي بكر رضي الله عنه، يعرضون عليه قَبول طرح عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، بل إعطاءهما بعض المال، وذلك لتحييدهما، وتخفيف ضغط الأزمة.
لكنَّ الصِّدِّيق رضي الله عنه، كان له رأي آخر، وهو أن يُقاتلهم حتى يؤدُّوا حقَّ الله فيما عندهم من أموال؛ لعلمه بأن الزكاة ركن من أركان الإسلام، لا فرق بينه وبين الصلاة والحجِّ والصوم.
فعارضه عمر بن الخطاب وبعض الصحابة ولكنَّ أبا بكر يردُّ عليهم بكلمات خالدة، قائلاً: "أُقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي".
ودخلت كلمات أبي بكر في قلوب الصحابة فلم تترك شكًّا, ولا تَحَيُّرًا إلا أزالته، فعزموا على قتال كلِّ مَن ارتدَّ عن الإسلام.
فقام الصِّدِّيق رضي الله عنه أولاً بحراسة المدينة المنوَّرة حراسة مستمرَّة، فوضع الفِرَق العسكريَّة في كل مداخل المدينة، ثم قام بمراسلة كل القبائل التي بقيت على الإسلام لتوافيه في المدينة المنوَّرة، وأقام مُعَسْكَرًا للجيوش الإسلاميَّة في شمال المدينة، وأرسل رسائل شديدة اللهجة إلى كل قبائل المرتدِّين يدعوهم فيها إلى العودة إلى ما خرجوا منه، وإلاَّ حاربهم أشدَّ المحاربة، وهدَّدهم وتوعَّدهم؛ وذلك ليُلْقِيَ الرهبة في قلوبهم، كنوعٍ من الحرب النفسيَّة على المرتدِّين.

يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
📲للإشتراك تليجرام👇
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين [الـحــ11ــلـقـ
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
[الـحــ12ــلـقـة]

💫زيادة رقعة الخلافة الإسلامية
عندما نقضت إفريقيَّة العهد عام (33هـ) سار إليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح (أمير مصر) ففتحها ثانية، وأَجْبَر أهلها على الخضوع والعودة إلى دفع الجزيرة بعدما منعوها.
💫أما الجبهة الغربيَّة فكانت غزوات أهل الكوفة جهة الرِّيِّ وأَذْرَبِيجَان, فقد صار إلى الثغرَيْنِ عَشَرَة آلاف مقاتل من أهل الكوفة، ستَّة آلاف تَكُونُ بأَذْرَبِيجَان، وأربعة آلاف بالرِّيِّ، وكان بالكوفة في ذلك الوقت أربعون ألف مقاتل، وكان يذهب لهذين الثغرين منهم عشَرة آلاف مقاتل كلَّ سنة، فكان الرجل يُصِيبه في كل أربعة سنين غزوة، وكانت هذه الغزوات لتأييد الفتح الإسلامي في تلك البلاد والمحافظة على الثغور من أن ينتابها عدو، وإعادة مَن شقَّ العصا إلى الطاعة.
ففي عهد إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة (25 - 29هـ)، انتقضت أَذْرَبِيجَان العهد، ومنعت ما كانت صالحت عليه، فغزاها الوليد حتى رضيت بأن تؤدِّيَ ما كانت صُولحت عليه، وسَيَّر سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أرْمِينِيَة، فشتَّت شمل المجتمعين بها ممن أراد نقض الطاعة.
وفي عهد إمارة سعيد بن العاص فُتِحَت طَبَرِستان حيث سار إليها بجند كثيف، فيه الحسن والحسين رضي الله عنهما ابنا عليٍّ ، والعبادلة: أبناء العباس، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، والزبير، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، وغيرهم، فقاتل أهلَ طبرستان حتى طلبوا الصلح.
كما أوغل عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي سنة (32هـ) في بلاد الخَزَر -وهي بلاد الترك خلف باب الأبواب المعروف بـ"الدربند"- حتى وصل بَلَنْجَر، وهي أكبر مدنهم خلف باب الأبواب، ولكنَّ الترك تجمَّعوا بكثرة بالغة، فأُصيب عبد الرحمن بن ربيعة، وانهزم المسلمون، فتفرَّقوا فرقتين: فرقة عادت فقاتلت مع سلمان بن ربيعة، الذي كان قد أُرسل مددًا لأخيه فنَجَتْ، وفرقة أخرى أخذت طريق جيلان وجرجان، وجَعَل على ثغر الباب عبدُ الرحمن أخاه سلمان.

💫أما البصرة فكانت غزواتها في بلاد فارس وخراسان وثغر السند:
ففي عهد إمارة عبد الله بن عامر: انتقض أهل فارس العهد، وقتلوا أميرهم عبيد الله بن مَعْمَر، فسار إليهم ابن عامر، وأوقع بهم وقعة شديدة.
وفي عهد إمارة ابن عامر على البصرة قُتِلَ يزدجرد آخر ملوك الفرس سنة (31هـ)، وبموته انتهت الدولة الساسانية[76].
وفي سنة (31هـ) نقضت أهل خراسان عهدها فخرج إليهم ابن عامر في جيش كثيف، فلما وصل الطَّبَسَيْنِ، وهما بابا خراسان، تلقَّاه أهلها بالصلح، ثم سار إلى قُوهِسْتَان، فقاتل أهلَها حتى طلبوا الصلح فصالحهم، ثم قصد نَيْسَابور فصالحهم، ثم وجَّه الأحنف بن قيس إلى طَخَارستان -ولاية واسعة من نواحي خراسان- ثم إلى مَرْوِ الرَّوْذِ، فلقيته جموع فهزمها، وكانت للأحنف فتوح كثيرة في تلك الجهات، ثم صار إلى بَلْخ فصالحه أهلها، ثم ذهب إلى خُوَارِزم، فاستعصت عليه فعاد عنها، ولما تمَّ لابن عامر هذه الفتوح عاد إلى البصرة.
وهكذا فقد كانت الفتوحات أيام عثمان بن عفان واسعة؛ إذ أضافت بلادًا جديدة في إفريقيَّة وقُبْرُص وأرْمِينِيَة، وأَجْبَرَت مَن نَقَضَ العهد إلى الصلح من جديد في فارس، وخراسان، وباب الأبواب، وضمَّت هناك -إضافةً إلى ذلك- فتوحات جديدة في بلاد السند، وكَابُل، وفَرْغَانَة.

💫مصحف عثمان:
من أعظم أعمال عثمان أنه جمع المسلمين على مصحف واحد، فعن أنس بن مالك: أن حُذيفة بن اليمان قَدِمَ على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرْمِينِيَة وأَذْرَبِيجَان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأُمَّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسَخْهَا في المصاحف ثم نردُّها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيدَ بن ثابت، وعبدَ الله بن الزُبَيْر, وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كلِّ أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
📲للإشتراك تليجرام👇
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين [الـحــ12ــلـقـة]
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
[الـحــ13ــلـقـة]
#تتمة المصحف.
فكان السبب الحامل لعثمان على جمع القرآن للمرَّة الثانية -مع أنه كان مجموعًا مرتَّبًا في صحف أبي بكر الصِّدِّيق- إنما هو اختلاف قرَّاء المسلمين في القراءة اختلافًا أَوْشَك أن يؤدِّيَ بهم إلى أخطر فتنة في كتاب الله تعالى، وهو أصل الشريعة ودِعَامة الدين، وأساس بناء الأُمَّة الاجتماعي والسياسي والخُلُقي، حتى إن بعضهم كان يقول لبعض: إن قراءتي خير من قراءتك. فأفزع ذلك حذيفة، ففزع فيه إلى خليفة المسلمين وإمامهم, وطلب إليه أن يُدرك الأُمَّة قبل أن تختلف فيستشري بينهم الاختلاف، ويتفاقم أمره، ويعظم خطبه، فيُمَسُّ نصُّ القرآن، وتُحَرَّف كلماتُه وآياته عن مواضعها، كالذي وقع بين اليهود والنصارى من اختلاف كلِّ أُمَّة على نفسها في كتابها.
ولم يُقْدِم عثمان على هذه الخطوة إلا بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وشاورهم في الأمر، وفيهم أعيان الأُمَّة وأعلام الأئمة وعلماء الصحابة، وفي طليعتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وعرض عثمان هذه المعضلة على صفوة الأُمَّة وقادتها الهادِينَ المهديِّين، ودارسهم أمرها ودارسوه، وناقشهم فيها وناقشوه، حتى عَرَف رأيهم وعَرَفوا رأيه، فأجابوه إلى رأيه في صراحة لا تجعل للرَّيْب إلى قلوب المؤمنين سبيلاً، وظهر للناس في أرجاء الأرض ما انعقد عليه إجماعهم، فلم يُعرف قط يومئذ لهم مخالف، ولا عُرف عند أحد نكير، وليس شأن القرآن الذي يخفى على آحاد الأُمَّة فضلاً عن علمائها وأئمتها البارزين.
وبعث مع كل مصحف مَن يُرشد الناس إلى قراءته، بما يحتمله رسمه من القراءات ممَّا صحَّ وتواتر، فكان عبد الله بن السائب مع المصحف المكِّي، والمغيرة بن شهاب مع المصحف الشامي، وأبو عبد الرحمن السلمي مع المصحف الكوفي، وعامر بن قيس مع المصحف البصري، وأمر زيد بن ثابت أن يُقرئ الناس بالمدينة.
💫اشتعال الفتنة:
أراد رءوس الفتنة أن يُشعِلوا الأمر أكثر وأكثر, حتى يجتثُّوا الدولة الإسلاميَّة من جذورها, فبدءوا يُكثرون الطعن على عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ويكتبون هذه المطاعن المكذوبة والمفتراة, ويُرسلونها إلى الأقطار مُوَقَّعَةً بأسماء الصحابة افتراء على الصحابة, فيُوَقِّعُون الرسائل باسم طلحة بن عبيدالله, والزبير بن العوام , والسيدة عائشةرضي الله عنهم.
وكان الثوَّار قد جمعوا أنفسهم من البصرة, والكوفة, ومصر, وبدءوا في التوجُّه ناحية المدينة المنوَّرة, واتَّفقوا على عزل عثمان ، واختلفوا فيمن يتولَّى الخلافة بعده, فأرادها أهل مصر لعليِّ بن أبي طالب ، في حين أرادها أهل الكوفة للزبير بن العوام ، وأرادها أهل البصرة لطلحة بن عبيد الله، فلمَّا وصلوا المدينة -وعلم المسلمون بقدومهم لهذا الأمر- أرسل عثمان رضي الله عنه، لكلِّ فرقة منهم مَن أرادوه خليفة, فذهب عليٌّ ؛ لفرقة أهل مصر فزجرهم وعنَّفهم, وقال لهم: لقد علم الصالحون أنكم ملعونون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، فارجعوا لا صبَّحكم الله.
وفعل مثله صاحباه طلحة والزبير , فطلب الثوَّار من الثلاثة مقابلة الخليفة لعرض شكواهم عليه, فدخلوا المدينة، والْتَقَوْا بأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وأخذوا يُناقشونه فيما أخذوه عليه، ثم أخذوا يَعُدُّونَ عليه المآخذ، وهو يردُّ عليهم ويفنِّد مزاعمهم.
وبعد أن انتهَوْا من حوارهم قال لهم عثمان : ماذا تريدون؟ قالوا: المنفيُّ يعود, والمحروم يُعطَى, وتَسْتَعْمِلُ ذوي الأمانة والقوَّة، وأن تَعْدل في القسمة. فوافقهم على ما قالوا، وكتب ذلك في كتابٍ, وشرط عليهم عثمان ، ألاّ يشقُّوا له عصًا, ولا يُفَرِّقوا جماعة المسلمين, وأعطَوْه عهدًا بذلك، وخرجوا من المدينة راضِين، وظنَّ المسلمون في المدينة أن الفتنة قد خمدت, وبات المسلمون ليلة سعيدة بعد خِضَمِّ أحداث عظيمة استمرَّت شهورًا.
💫حصار عثمان:
ولكن الفتنة لم تُخْمَد بتحقيق المطالب؛ ذلك لأن قادة الفتنة لم يكونوا في الحقيقة طالبين للحقِّ, وإنما متآمرين للفتنة, وللتفريق بين المسلمين, من هنا ما إن بدأت الفِرَقُ في العودة حتى انتشرت بعض الرسائل الملفَّقة, منها رسالة مع الفرقة القادمة من مصر, بأن عثمان رضي الله عنه، أَمَر بقتل محمد بن أبي بكر , وأَمَر والِيَه على مصر بقتل رءوس الفتنة, فعاد رءوس الفتنة إلى المدينة من جديد، وحاصروا عثمان في بيته, وعندما وجد عثمان أن الأمر قد وصل إلى هذا الحدِّ, وأن اللين لن يُجدي مع هؤلاء؛ كتب رسائل إلى ولاته في الأمصار أن يرسلوا إليه بالجيوش لحلِّ هذه الأزمة, فكتب إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام, وإلى أبي موسى الأشعري بالكوفة، وإلى والي البصرة, ولكن فكرة قتل الخليفة لم تكن قد ظهرت بعدُ, بل ما يطلبونه هو عزله, ولم يُصرِّحوا بكلمة القتل مطلقًا.
ولكنَّهم اقتحموا داره ، فدخل عليه كنانة بن بشر -الملعون- وحمل السيف وضربه به، فمات شهيدًا يوم 18 من ذي الحجة 35هـ.

يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين [الـحــ13ــلـقـة
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
[الـحــ14ــلـقـة]

💫خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
ظنَّ المتآمرون أنهم قضَوْا على الدولة الإسلاميَّة العملاقة، ولكن خاب ظنُّهم بعدما تمَّت بيعة عليٍّ رضي الله عنه، بالخلافة عقب استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه, وبعد إلحاح شديد من الصحابة؛ حتى يَقْبَل قيادة الأُمَّة في مثل هذا الوقت العصيب, فذهب بعض الصحابة إليه، فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل، ولا بُدَّ للناس من إمام، ولا نجد أحدًا أحقَّ بها منك؛ أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله . فقال عليٌّ: لا تفعلوا فإني وزير خير من أمير. فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد فإنه ينبغي بيعتي ألاّ تكون خَفِيًّا، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين.
فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يُشْغَبَ عليه، وأبى هو إلاّ المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس. ولولا إسراع بيعته لأدَّى ذلك إلى فتنٍ واختلافات في جميع الأمصار، فكان من مصلحة المسلمين أن يَقْبَل عليٌّ البيعة مهما كانت الظروف المحيطة بها.
لقد كان أستشهاد عثمان رضي الله عنه. سببًا مباشرًا في خَلْقِ أزمةِ فتنةٍ كبرى، تضاربت فيها الآراء وتباينت فيها وجهات النظر، واختلفت الاجتهادات في الوسيلة للانتقام من الخوارج الذين قتلوا عثمان .
فقد رأت طائفة من الصحابة أن أوَّل واجب على الأُمَّة هو الثأر لخليفتها الشهيد والقِصاص من القتلة الآثمين، ورأى آخرون أن أول ما ينبغي هو اجتماع الكلمة، واسْتِتْبَاب الأمن، والصبر حتى تهدأ الأحوال وتنكشف ذيول المؤامرة، ثم يكون استئصال شأفتها وقطع دابر دواعيها.
ورأت طائفة ثالثة أن يُؤثروا العافية، وألاّ يكونوا طرفًا في أي نزاع، فبدأ الخلاف بين عليٍّ رضي الله عنه، وطلحة والزبير والسيدة عائشة رضي الله عنهم جميعًا؛ بسبب التعجيل بالقِصاص من قتلة عثمان، ولم يكن خروجهم إلى البصرة إلا لهذا الغرض.
ثم تحرَّك معهم سبعمائة رجل من أهل مكة والمدينة، انضمَّ إليهم بعض المؤيِّدين حتى وصل عددهم ثلاثة آلاف، بحثًا عن مكان مناسب وأكثر بعدًا عن نفوذ الخلافة، فاتَّجهت أنظارهم إلى البصرة، فحثُّوا أهلها على مساعدتهم في معاقبة قتلة عثمان .
وانقسم مجتمع البصرة إلى قسمين؛ قسم قاتل مع عليٍّ رضي الله عنه، وساند والِيَه عثمان بن حُنَيْف، وقسم آخر تعاطف مع طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم، ونتيجة لذلك انهزم عثمان بن حُنَيْف والِيَ البصرة، وتمَّ الاستيلاء على البصرة وقُبض على واليها، وزُجَّ في السجن، ولكن عائشة -رضي الله عنها- تدخَّلت وأطلقت سراحه.

💫الثأر لمقتل عثمان رضي الله عنه:
بدأ طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنه، إرسال الرسل إلى أهل الشام وأهل اليمامة وأهل المدينة لحثهم على إقامة حدِّ الله على قاتل عثمان، وعندها قرَّر عليٌّ مغادرة المدينة والاتِّجاه نحو الكوفة لتكون مقرًّا له؛ لكونها في نظره مُسْتَقَرَّ أعلام ورجال المسلمين العظام؛ ففيها أبو موسى الأشعري، وابن مسعود، وغيرهم، فأرسل عليٌّ إلى واليها أبي موسى الأشعري لتجهيز الرجال للقضاء على الفتنة، ولكنَّه تحفَّظ على طلب علي ؛ لأنه كان يرى أن تجهيز الرجال سيُوقِع المسلمين في فتنة (صمَّاء عمياء) كما كان يسمِّيها، فطلب أبو موسى الأشعري من الكوفيين أن يغمدوا سيوفهم ويقبعوا في بيوتهم؛ حتى تزول الفتنة، ولكن عليًّا تجاوز أبا موسى الأشعري، فأرسل ابنه الحسن فعزله عن الكوفة، وكوَّن جيشًا منها بلغ تعداده عشرين ألفًا.
ثم اتَّجه صوب البصرة، وبدأ التفاوض مع الزبير وطلحة وعائشة ، فأرسل إليهم طالبًا منهم لمَّ شمل الأمة بعودة الأمور إلى نصابها وإعادة بناء وَحدة المسلمين، ولكن الزبير وطلحة وعائشة كانوا يرَوْن أن الإصلاح لن يتمَّ إلا بالثأر من قتلة عثمان .
وقد أبدى طلحة والزبير مرونة كبيرة إزاء مهمَّة القعقاع خشية وقوع أوَّل مواجهة عسكريَّة بين الإِخْوَة، ثم عاد القعقاع إلى عليٍّ وقد نجح في مهمَّته، وأَخبر عليًّا بما جرى معه، فأُعجب بذلك، وأوشك القوم على الصلح، كرهه من كرهه، ورضيه من رضيه.
علم المتآمرون أتباع ابن سبأ ومَن أعانهم على قَتْل عثمان ببوادر الصلح فقرَّروا إفساده، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثمَّ اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فرقتين، ويبدءوا بالحرب، فيغير الفريق الذي في معسكر عليٍّ على طلحة والزبير ومن معهما، ثم يقوم الفريق الذي في معسكر طلحة والزبير بإثارة الحمية في نفوسهم؛ حتى تشتد الحرب بين الفريقين فتقع الفتنة كما يريدون.

يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
📲للإشتراك تليجرام👇
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين [الـحــ14ــل
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
[الـحــ15ــلـقـة]

💫معركتا الجمل:
جَرَتْ فتنة معركة الجمل سنة (36هـ) على غير اختيار من عليٍّ ولا من طلحة، وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين.
وانتهت المعركة بهزيمة جيش طلحة والزبير وعائشة، حيث أُصيب الأول بسهم في ركبته، فانسحب من المعركة ليموت في البصرة، بينما قُتل الزبير، ودارت معركة أمام الجمل الذي يحمل عائشة رضي الله عنها، فتنبه عليٌّ إلى ذلك، فأمر بعقر الجمل، فتوقَّف القتال، وأُعطي البصريون الأمان، ثم أمر علي بحراسة عائشة رضي الله عنها حتى تعود إلى المدينة، وقد مات من جيش البصرة عشرة آلاف ومن جيش عليٍّ خمسة آلاف.

واستقرَّ عليٌّ بالبصر شهرًا، ثم انتقل منها إلى الكوفة، ولما استقرَّ عليٌّ أرسل الصحابي جرير بن عبد الله البَجَلِيَّ إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، وكتب معه كتابًا إلى معاوية يُعْلِمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ويخبره بما كان في معركة الجمل، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس.
ولم يكن من سياسة معاوية العجلة، فتأنَّى في هذه المسألة وجمع رءوس أهل الشام يستشيرهم، ثم دعا عمرو بن العاص ليشهد تلك المشورة، فأبوا أن يُبايعوا حتى يُقتل قتلة عثمان، أو أن يُسلَّم إليهم قتلته.

💫معركة صفين:
أعلم معاويةُ جَرِيرًا برأي أهل الشام، فعاد إلى عليٍّ وأخبره بما قالوا، فاستعدَّ عليٌّ لغزو الشام؛ لإدخالها في طاعته، فجهَّز جيشًا قوامه خمسين ألفًا، ونزل بهم صِفِّينَ، وسار معاوية بجيش قِوَامه سِتُّون ألف مقاتل، ثم دار القتال بين الجيشين، ولكنَّه دار في حدود ضيِّقة على هيئة كتائب صغيرة تُرْسَل فتقاتل اليومَ ثم تعود، وقد تجنَّب الجيشان القتال بكامل الجيش؛ خشية الهلاك والاستئصال، وأملاً في وقوع صلح بين الطرفين تُصان فيه الأرواح والدماء.
وما إن دخل شهر محرم حتى بادر الفريقان إلى الهدنة، فأرسل عليٌّ إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في الجماعة والمبايعة مرَّة أخرى، ولكن معاوية ردَّ عليه بنفس الردِّ السابق، فعادت الحرب على ما كانت عليه من قتال الكتائب الفرق خشية الالتحام الكُلِّيِّ.
اشتبك الجيشان في معركة فاصلة كثر فيها القتل، وقُتل فيها عمار بن ياسر الذي جاوز التسعين عامًا، ورغم سنِّه كان يستنهض الهمم للحرب, ولكنَّه كان بعيدًا كلَّ البُعد عن الغلوِّ، فقد سمع رجلاً بجواره يقول: كفر أهل الشام. فنهاه عمار عن ذلك، وقال: إنما بَغَوْا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيتهم؛ فإلهنا واحد، ونبيُّنا واحد، وقبلتنا واحدة.
وكان أشدُّ أيام القتال هي الأيام التسعة الأخيرة من هذه المعركة، وأشدُّها آخر ثلاثة أيام، لا سيما بعد مقتل عمار بن ياسر ، وفي الليلة التي سُمِّيت بليلة الهرير.
وقد قُتل من جيش عليٍّ بن أبي طالب خمسة وعشرون ألفًا, وقُتل من جيش معاوية بن أبي سفيان خمسة وأربعين ألفًا، أي نصف الجيش, فكان مجموع القتلى والشهداء سبعين ألفًا من كلا الطرفين, ولم يجتمع للمسلمين قطُّ منذ بدء الدعوة ونزول الرسالة حتى هذه اللحظة جيش قوامه سبعون ألفًا, وهو عدد القتلى والشهداء في هذه الموقعة, وكانت خسارة فادحة للمسلمين، لم يتوقَّعها أحد على الإطلاق ممن شارك في القتال, سواءٌ من طرف عليٍّ أو معاوية.

💫التحكيم وظهور الخوارج:
استمرَّ القتال على أشُدِّه طَوَال الليل, وبدأت الكفَّة ترجح بشدَّة لصالح عليٍّ , وبدأت الهزيمة تدبُّ في جيش معاوية, وكان النصر وشيكًا، عندئذٍ فكَّر "عمرو بن العاص" في حيلة تُخرج جيشه من هذه المشكلة, فأشار على "معاوية" أن يرفع المصاحف, في إشارة إلى تحكيم كتاب الله فيما حدث, وذلك حتى لا يزيد القتل بين المسلمين, ففعل معاوية ذلك, ورضي عليُّ بن أبي طالب وأكثرية جيشه بأمر التحكيم, وأخرج كلا الجيشين رجلاً منهم للتحكيم, فخرج " عمرو" من جيش معاوية, و"أبو موسى الأشعري" من جيش عليٍّ، والتقى أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص -رضي الله عنهما- في مكان (صِفِّين), وبدآ يفكِّران في كيفية إيجاد حلٍّ لهذه المعضلة التي ألمَّت بالمسلمين، فاتَّفقا ابتداءً على كتابة كتابٍ مبدئي يضع أُسُس التحكيم, ولن يكون هو الكتاب النهائي. فكتبوا: "هذا ما تقاضي عليه عليُّ بن أبي طالب, ومعاوية بن أبي سفيان، أننا نزلنا عند حكم الله وكتابه, ونُحْيِي ما أحيا الله, ونميت ما أمات الله, فما وجد الحكمان في كتاب الله عَمِلا به, وما لم يَجِدَا في كتاب الله، فالسُّنَّة العادلة الجامعة غير المتفرِّقة".
يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
📲للإشتراك تليجرام👇
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين [الـحــ15ــلـقـ
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
[الـحــ16ــلـقـة]
#تتمة التحكيم.

ثم ذهب كلٌّ من الحكمَيْنِ إلى كل فريق على حِدَةٍ, وأَخذا منهما العهود والمواثيق أنهما -أي الحكمين- آمنان على أنفسهما وأهليهما, وأن الأُمَّة كلها عونٌ لهما على ما يريان, وأن على الجميع أن يُطيع ما في هذه الصحيفة. فأعطاهم القوم العهود والمواثيق على ذلك, فجلسا معًا, واتَّفقا على أنهما يجلسان للحُكْم في رمضان من نفس العام، وكان حينئذٍ في شهر صفر سنة (37هـ)؛ وذلك حتى تهدأ نفوس الفريقين، ويستطيع كلُّ فريق أن يتقبَّل الحكم أيًّا كان، وشهد هذا الاجتماع عشرة من كل فريق, وممن شهد هذا الاجتماع عبد الله بن عباس, وأبو الأعور السُّلَمِيُّ, وحبيب بن مسلمة, وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وخرج الأشعث بن قيس, والأحنف بن قيس رضي الله عنهما، وهما من فريق عليِّ بن أبي طالب ، وقرأ الأشعث بن قيس الكتاب على الفريقين, فوافق الجميع على هذا الأمر, وبدءوا في دفن الشهداء والقتلى, يقول الزهريُّ: كان يُدفن في كل قبر خمسون نفسًا؛ لكثرة عدد القتلى والشهداء.

كادت الفتنة -بهذا الرأي الأخير حول التحكيم وتهدئة الأوضاع الثائرة- أن تنتهي, إلا أن فرقة من جيش عليٍّ , لما رجعت إلى الكوفة أخذت تُردِّد مقولة: "أتحكِّمون الرجال في دين الله؟" وأعلنوا غضبهم من أمر التحكيم قائلين: لا حكم إلا لله.

💫ظهور الخوارج:
لما عاد عليُّ بن أبي طالب إلى الكوفة, سمع رجلاً يقول: ذهب عليٌّ ورجع في غير شيء!! وفي هذا لوم له على أمر التحكيم. فقال عليٌّ : لَلَّذِين فارقناهم خيرٌ من هؤلاء، وبلغ عددُ مَن يردِّد كلمة: "لا نحكِّم الرجال في دين الله, ولا حكم إلا لله"، اثني عشر ألف رجل, وكان أكثرهم من حفظة القرآن الكريم, وسُمُّوا بالخوارج؛ لأنهم خرجوا عن طاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , وقد تنبَّأ بهذه الطائفة الرسول العظيم ، وهذا من دلائل نبوَّته القائل: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ". فلم يكن من عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، إلا أن ذهب إليهم ليحاورهم, ويردَّهم بالتي هي أحسن, وناقشهم فيما أخذوه عليه, ثم أرسل إليهم حَبر الأُمَّة "عبد الله بن عباس" , فلما دار هذا الحوار بين عبد الله بن عباس وبينهم على مدار ثلاثة أيَّام, رجع منهم أربعة آلاف وتابوا على يديه, وعادوا معه إلى الكوفة, فكانوا مع عليِّ بن أبي طالب ، أما الباقون الذين عاندوا ولم يرجعوا عمَّا هم عليه فقد ظلُّوا يتردَّدون على الكوفة، ويتردَّد عليهم رسلُ عليِّ بن أبي طالب لإقناعهم, ولكن دون جدوى.

ومع مرور الوقت، وقرب عقد المجلس الذي سيتمُّ فيه التحكيم، بدأ هؤلاء يتعرَّضون لعليِّ بن أبي طالب بما لا يليق، وخرجوا عن دائرة النقاش المهذَّب, وبدءوا بالسباب والشتائم, وعليٌّ يصبر عليهم, ويردُّ عليهم بالتي هي أحسن تجنُّبًا للفتن, واستمرَّ الوضع هكذا يزداد يومًا بعد يوم، حتى قام له رجل منهم, وهو يخطب، فقال له: يا عليُّ، أَشْرَكْتَ الرجالَ في دين الله, ولا حكم إلا لله. وتنادَوْا من كل جانب: لا حكم إلا لله. فقال علي بن أبي طالب : هذه كلمة حقٍّ أُريد بها باطل. ثم قال: إن لكم علينا ألاّ نمنعكم فيئًا ما دامت أيديكم معنا، وألا نمنعكم مساجد الله, وألا نبدأكم بقتال حتى تبدءونا. ثم بدءوا يُعرِّضون بتكفير عليِّ بن أبي طالب , فقابله رجلٌ منهم يومًا، وقال له: يا عليُّ، لئن أشركت ليحبطَنَّ عملك، ولتكونَنَّ من الخاسرين. فقرأ علي بن أبي طالب قول الله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم:60].

ثم اعتزل هؤلاء القوم الكوفة بالكلية, ولجئوا إلى مكان يُسمَّى النهروان، ومكثوا فيه، ولم يدخلوا الكوفة بعد ذلك، فلما رأى أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب أن أمرهم بدأ يزيد، ويُشكِّل خطورة على المسلمين، بعث إليهم يقول لهم: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم, فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أُمَّة محمد ، وبيننا وبينكم ألاّ تسفكوا دمًا حرامًا, أو تقطعوا سبيلاً أو تظلموا ذميًّا - يهوديًّا أو نصرانيًّا- فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء, {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58].

ومكث الخوارج في النهروان بعيدًا عن الكوفة, وفي هذا التوقيت كان جيش الشام مستقرًّا دون خلاف مع معاوية بن أبي سفيان .
يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
📲للإشتراك تليجرام👇
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين [الـحــ16ــلـ
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
[الـحــ17ــلـقـة]

💫اجتماع المحكمين في دومة الجندل:
جاء شهر رمضان سنة (37هـ), فأرسل عليُّ بن أبي طالب إلى دومة الجندل 400 فارس, معهم أبو موسى الأشعري, وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما, وأمَّر عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ على الصلاة. وأرسل معاوية 400 فارس إلى أرض دُومَة الجندل، معهم عمرو بن العاص ، وكان معهم من رءوس الناس عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، والمغيرة بن شعبة ، وكان معهم أيضًا عبد الله بن عمر بن الخطّاب ، ولم يكن مع معاوية في القتال، ولكنه كان ممن اعتزل الفتنة، وإن كان يرى أن عليًّا على الحقِّ, وإنما كان حينئذٍ في الشام، فجاء مع الوفد الذي أرسله معاوية للتحكيم. وقد تمَّ اختيار دُومَة الجندل للتحكيم؛ لأنها تقع في مسافة متوسِّطة بين الكوفة، والشام فهي على بُعْد تسع مراحل من كلٍّ منهما.
وتجمَّع المسلمون على اتِّفاق خلاصته أنهم سيلتقون تارة أخرى في العام المقبل بدُومَة الجندل, وحتى هذا العام يظلُّ لكل من عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما ما تحت أيديهم من بلاد المسلمين، إلا أن الخوارج -عليهم من الله ما يستحقُّونه-لم يَرُقْهم هذا الأمر, ولم يرضَوْا بالتحكيم, بل اشتدَّ أمرهم وخطرهم أكثر, وبلغ بهم الأمر لدرجة تكفير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , واستباحة دمه، هو وكل مَن رضي بالتحكيم.
جمَّع الخوارج قواهم في مكان يُسمَّى النهروان, وقرَّروا الخروج إلى المدائن في شمال شرق الكوفة, لكنهم غيَّروا وجهتهم لقوَّة المدائن ومَنْعَتِها واتَّجهوا إلى مكان آخر قريب من الكوفة، وبدءوا يعيثون في الأرض فسادًا فيقطعون الطرق, ويقتلون المسلمين بحجة أن من رضي بالتحكيم فهو كافر مرتدٌّ يجب قتله، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرتِّ, وقتلوا زوجته مع أنها كانت حاملاً.

💫موقعة النهروان:
فلما زاد فُحشهم وكثرت جرائمهم قرَّر عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أن يقاتلهم, فخرج لهم بجيش كبير, ولكنه قبل أن يدخل معهم في قتال أراد أن يجنِّب المسلمين شرَّ القتال بعد ما حدث في موقعتي الجمل وصفِّين, التي قُتِلَ فيهما أعداد كبيرة من المسلمين, فأرسل إليهم مَن يدعوهم للعودة إلى طاعة أميرهم, يحكم بينهم فيَقْتُل مَنْ قَتَل أحدًا من المسلمين, ويعفو عن مَنْ لم يقتل، ولكنهم لم يرتدعوا, ولم يتراجعوا, بل أصرُّوا على موقفهم, وكان عددهم لا يتجاوز أربعة آلاف رجل, وبدأ القتال بين الفريقين, وثبتوا ثباتًا عجيبًا حتى قُتل منهم ستمائة, وجُرح أربعمائة, وبعد انتهاء المعركة سريعًا, سلَّم علي بن أبي طالب الأربعمائة إلى ذويهم ليداووهم, وردَّ أسلابهم, وأعطاهم فرصة أخرى للتوبة, وسُمِّيت هذه المعركة معركة النهروان (38هـ).
أما في الشام فكان الوضع مختلفًا,؛ فجيش معاوية يطيعه تمامًا, ولم يكن هناك أي حالة خروج عليه , كأن هذا ابتلاء من الله تعالى لعلي بن أبي طالب .

💫استشهاد علي رضي الله عنه،
لم يكفَّ الخوارج الخروج على عليٍّ وقتاله, بل تآمروا على قتله أيضًا!! فاجتمع ثلاثة منهم على مؤامرة قتل الثلاثة الذين قاموا بالتحكيم, وهم (عليٌّ، وعمرو، ومعاوية رضي الله عنهم), وكان هؤلاء الثلاثة هم: عبد الرحمن بن ملجم الكندي, والبرك بن عبد الله التميمي, وعمرو بن بكر التميمي, وتواعد ثلاثتهم على يوم واحد هو يوم السابع عشر من شهر رمضان لتنفيذ مخطَّطهم، وانتظر عبد الرحمن بن ملجم فجر اليوم الموعود (17 من رمضان سنة 40هـ) حتى خرج عليُّ بن أبي طالب من بيته لصلاة الفجر, وأخذ يمرُّ على الناس يوقظهم للصلاة, وكان لا يصطحب معه حُرَّاسًا, حتى اقترب من المسجد فضربه شبيب بن نجدة ضربة وقع منها على الأرض, لكنه لم يمُتْ منها, فأمسك به ابن ملجم, وضربه بالسيف المسموم على رأسه, فسالت الدماء على لحيته، ومات شهيدًا ، في حين فشل الآخرون في قتل معاوية وعمرو بن العاص.
💫الحسن خليفة للمسلمين:
لما استُشهد عليُّ بن أبي طالب اجتمع أهل العراق، وبايعوا الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما؛ ليكون خليفةً للمسلمين، فكان ورعًا تقيًّا عالمًا مجاهدًا، حيث جاء قيس بن سعد بن عبادة -وكان تحت إمرته على أَذْرَبِيجَان أربعون ألف مقاتل كلهم قد بايع عليًّا على الموت قبل استشهاده- فجاء يقول للحسن : امددْ يدك نُبَايِعْك. فلم يردَّ عليه الحسن، ولم يرضَ بهذا الأمر، ولم يكن يريده؛ لأنه يعلم أن وراءه الدماء الكثيرة، ولكن مع إصرار قيس بن سعد بن عبادة قَبِل البيعة (17 من رمضان سنة 40هـ)، وهو يوم واستشهاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
أمَّا أهل الشام فبعد استشهاد عليِّ بن أبي طالب لم يجدوا بديلاً لخلافة المسلمين غير معاوية بن أبي سفيان ، فبويع بالخلافة من قِبَل أهل الشام، وأصبح للمسلمين -ولأول مرَّة- خليفتان؛ أحدهما في الشام، والآخر في العراق، وهذا لا يستقيم شرعًا، ولا يصحُّ في الإسلام، بل ينبغي أن يكون للمسلمين خليفة واحد، يسمع له الجميع ويطيع.
يتبع...
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
https://telegram.me/gghopff55
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين [الـحــ17ــلـقـة] 💫اج
#سلسلة_الخلفاء_الراشدين
[الـحــ18ــلـقـة والأخيرة]

💫تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة:

💫التحرك نحو الشام:
كان الحسن بن علي لا يحبُّ القتال، فلما تولَّى الخلافة رغِب في الكفِّ عن القتال، وحقن الدماء، وعدم الدخول في معارك بين المسلمين، لكنَّ أهل العراق أصرُّوا على قتال أهل الشام وعلى رَدِّ الإمارة إلى العراق، وثاروا كعادتهم عليه ، واجتمعت الألوف المؤلَّفة على أمر قتال أهل الشام، والقتال وإن كان له تأويل شرعي، إلا أنَّ فيه مخالفة للإمام، وقد خَشِيَ الحسن من فتنة مخالفة كل هذه الجموع، فخرج على رأس جيش لقتال أهل الشام وهو كارهٌ لهذا الأمر، وعَلِمَ معاوية بخروجه فخرج له بجيشه.

وعند اقتراب الجيشيْن كان الصراع شديدًا في داخل نفس الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فهو غير راغب في القتال، ويريد أن يحقن دماء المسلمين، فأرسل رسائل إلى معاوية بن أبي سفيان يطلب منه أن يرجع عن رأيه، ويدخل في جماعة المسلمين ويبايعه على الخلافة، لكن معاوية كان يرى أنَّ هذه فرصته التي ربما لا تتكرَّر لأخذ الثأر من قتلة عثمان بعد أن يكون أميرًا على جميع المسلمين، وكان جيش العراق القادم مع الحسن بن علي جيشًا ضخمًا كبيرًا، وخاصَّة بعد أن قُتل النصف من جيش معاوية في موقعة صفِّين، وكانوا راغبين في القتال، وقد بايعوا الحسن على الموت.

وعندما رأى معاوية ضخامة جيش الحسن ، قرَّر أن يرسل رسوليْن للمحاورة والمشاورة، فأرسل إليه عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر، فذهبا إليه وجلسا معه.
فقال الحسن : إن هذه الأمة قد عاثت في دمائها.
فقال له الرسولان: إنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويُسالمك.
فقال الحسن : فمن لي بهذا؟
فقالا له: نحن لك بهذا. فسُرَّ بذاك الحسن، وكان يرغب في هذا الأمر.

💫تنازل الحسن عن الخلافة :
قرَّر الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، أن يقوم بخطوة من أخطر الخطوات في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة، وهي خطوة جريئة لا يُقْدِم عليها إلاَّ رجل ذو نفس طاهرة طيِّبَة كالحسن ، فقرَّر أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ، وهو راضٍ تمامًا، وهو في غاية القوَّة، فقد كان جيشه يَفُوقُ جيش الشام بكثير، وكان باستطاعته أن يُبِيد جيش الشام عن آخره، ولكنَّه أراد أن يحقن الدماء بتنازله عن الخلافة لمعاوية .

فأرسل الحسن رسالة إلى معاوية بتنازله عن الخلافة على أن تُحقن دماء المسلمين، وعلى أن ترجع الجيوش دون قتال ودون حرب, وبهذا أصبح معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين الشرعي بعد الحسن بن عليٍّ ، الذي ظلَّ أميرًا شرعيًّا للمسلمين مدَّة ستَّة أشهر.
وصدق فيه حديث أبي بَكْرَةَ الذي قال فيه: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
〰〰〰〰〰〰
المصادر
[1] ابن أبي شهبة: السيرة النبوية 2/594.
[2] الحِبَرَةُ والحَبَرَةُ: ضَرْبٌ من برود اليمن مُنَمَّر، والجمع: حِبَرٌ وحِبَرات. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة حبر 4/157.
[3] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/442، وابن هشام: سيرة ابن هشام 2

يتبع.....
قناة📚من عمق التاريخ الإسلامي📚
📲للإشتراك تليجرام👇
https://telegram.me/gghopff55